جريدة إلكترونية جزائرية

فايسبوك   تويتر يوتوبيوتوبلينكد إنتابعوا أطلس تايمز على : لينكد إن

الجزائر: هكذا حدث شهادة الصحفي السعدي ناصر الدين عن اعتقالات نهاية الثمانينات

في النصف الثاني من الثمانينات أدت الأزمة الاقتصادية الناتجة عن انهيار أسعار النفط إلى رعب النظام في الجزائر، الذي صار يخاف من ظله.. فبعد اعتقال المطرب لونيس آيت منقلات عام 1985 بتهمة التآمر لقلب نظام الحكم و امتلاكه ترسانة من الأسلحة و قدرته على التخطيط لتحقيق هذا المسعى و محاكمته في محكمة أمن الدولة بالمدية و سجنه، شنت السلطة المرعوبة حملة كبرى ضد النشطاء السياسيين والحقوقيين و زجت بالعشرات في السجون لمجرد أنهم يختلفون فكرا عن العصبة الادارية الحاكمة.

الجزائر: السعدي ناصر الدين

كانت البداية بالمخرج رشيد بن ابراهيم، الذي اعتقلته قوة من الأمن العسكري في بيته بحي النسيم في جسر قسنطينة على الساعة الثانية والنصف ليلا في ديسمبر 1986 و تم تعذيبه في أقبية  البوليس"الكافنياك" و اختفى لأسبوعين حتى لا تنكشف آثار التعذيب، بعدها شاع الخبر و أسسنا هيئة مقاومة باسم  تجمع الفنانين والمثقفين و رجال العلم ( RAIS)و بدأنا المساعي بمساعدة المحامي الكبير الأستاذ أرزقي بوزيدة محامي جبهة التحرير زمن الاحتلال.

بعدها بأسابيع اعتقل 22 من المحامين والنقابيين والسينمائيين والمسرحيين وأساتذة الجامعة، و تم نفيهم إلى برج عمر إدريس في ولاية إليزي على بعد أزيد من 2000 كلم عن العاصمة، و وضعوا تحت الإقامة الجبرية في نفس المبنى الذي وضعت فيه سلطات الاحتلال الفرنسي الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة حين نفته لنشاطه التحرري.

كان من بين هؤلاء المنفيين النقابي مراد من عنابة و الذي عرفته حين كان رئيسا للجنة التطوع بجامعة عنابة، و كان أيضا المحامي مقران آيت العربي و أخوه أرزقي أيت العربي و هما من مؤسسي اتحادية أبناء الشهداء لتيزي وزو في ذلك الوقت، و الأستاذ كسيلي استاذ علم الاجتماع بجامعة الجزائر، و الأستاذ عبد الكريم بجاجة مدير الأرشيف الوطني، و الهاشمي زرطال مدير سينيماتيك قسنطينة وعلي كشيد محامي من قسنطينة، وعضو سابق في المجلس الوطني لاتحاد الشبيبة و آخرون.

كان أكبر المنفيين سنا هو الأستاذ علي يحيى عبد النور و قد تدهورت صحته في المعتقل كثيرا، كما اعتقل آخرون من مختلف الولايات معظمهم من التيارات اليسارية و الديمقراطية خاصة من العاصمة و منطقة القبائل و مدن عنابة و قسنطينة و سطيف . وقتها كان القهر اكثر من الآن بكثير.. وقتها لا يسمعك العالم وأنت تصرخ من الألم و الظلم .

 كانت أيام الحزب الواحد، و الحزب هو الجيش وهو الرئاسة و هو القضاء وهو السجان، و كان كتم الأصوات أمرا متاحا للسلطة في غياب وسائل الاتصال التي ننعم بها اليوم.

كنا في هيئة تنسيق التجمع نلتقي يوميا لاتخاذ قرارات مواجهة سلطة أعمتها الأزمة والخوف، فصارت تشك في كل من لا يساير خطابها بأنه يحيك مؤامرة ضدها، و من المداومين على تلك اللقاءات من الأصدقاء و الزملاء المخرج الراحل عز الدين مدور و الصحفي القاضي إحسان و الأديبة الراحلة نادية قندوز و أستاذ الفلسفة رابح قنزات والمخرج عبد الرحمن جلفاوي و الأستاذ بكلية العلوم السياسية و الإعلام اسماعيل حاج علي و آخرون.

كان الأمن العسكري جهازا جبارا ينفذ أوامر القيادات المرعوبة من المؤامرات دون مراعاة القيم و الأخلاق، كان يمكنهم أن يقتلوا أي شخص كما لو انهم قتلوا بعوضة. عقدنا جمعيات شارك فيها مئات من المثقفين والفنانين و الإعلاميين والمحامين و الأطباء و المهندسين و النقابيين و متعاطفين من مختلف الآفاق.

منعت علينا السلطات القاعات العمومية و منعتنا من الوقوف في الشارع فصرنا نستأجر مطاعم و قاعات و مرائب لاجتماعاتنا.. لكن المهم أننا خلقنا رأيا عاما و تمكنا من دفع السلطة للتراجع، أولا بوقف حملة الاعتقالات و القمع، التي تلاها إعلان عفو رئاسي عام على جميع المعتقلين الذين عادوا إلى أسرهم.

وقف الأستاذ بوزيدة في قاعة الجلسات عند محاكمة المخرج رشيد بن ابراهيم في أجمل مرافعة له باعترافه، و كان من بين ما قاله " في هذا المكان وقفت قبل 30 عاما أدافع عن الشاب أحمد زبانة، و ها أنا اليوم أقف في نفس المكان و أواجه هيئة محكمة يقف بين يديها شاب جزائري آخر هو رشيد بن ابراهيم.. في ذلك الوقت كان أحمد زبانة بهذا المكان أمام قضاة سلطة الاحتلال يواجه حكم الإعدام لأنه ثار من أجل أن يتمكن رشيد بن ابراهيم و باقي شباب الجزائر من الدراسة و قراءة ما يشاؤون في حرية تامة. و اليوم أقف هنا أدافع عن رشيد لأن هيأتكم الموقرة تحاكمه بتهمة القراءة.. هي ذي سيدي القاضي المفارقة العجيبة بين ما أراد أحمد زبانة و مصير رشيد بن ابراهيم".

صدر الحكم بالإفراج عن رشيد وأقمنا الأفراح، ليس فقط لأن سينمائيا سجن ظلما و خرج من سجنه، أو لأن مثقفين اعتقلوا ظلما ونفاهم السجان إلى بعد 2000 كلم استنساخا لنفي الاحتلال للأجداد بين 1864  و 1921 إلى كاليدونيا الجديدة، لكن لأننا نجحنا والاتحاد ولّد القوة. لأن تجند نخبة واعية حول موضوع الحريات اثمر هزيمة للنظام الظالم..

بعد مدة قصيرة تحرك الصحفيون و أسسوا " جمعية الصحفيين الجزائريين " في آخر سنة 1987، التي ناقشت لأول مرة "السياسة الاعلامية" و طالبت بأن يكون الصحفي صحفيا يساهم في تحديد هذه السياسة عبر "مجالس التحرير" و ليس مجرد موظف منضبط يطبق الأوامر و يطلق النار من قلمه متى أمره الرقيب..

كل ما قامت به السلطة وقتها من الضغوط و السجن و الإبعاد و التآمر و شيطنة الخصوم وووو، لم يشفع لها فكان أكتوبر 1988 زلزالا غير مسبوق.

السعدي ناصر الدين

Phone : 0773 18 43 09
E-mail : This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

Atlas Times أطـلـس تـايمز

Journal Electronique Algerien

Edite par: EURL Atlas News Corp.

R.C: 18B0071953-00-25

Directeur de Redaction : Amor Chabbi

مدير التحرير : عمر شابي 

Adress: 39; Rue Aouati Mostapha Constantine Algerie DZ Algeria